قسم الفلسفة

المزيد ...

حول قسم الفلسفة

حقائق حول قسم الفلسفة

نفتخر بما نقدمه للمجتمع والعالم

21

المنشورات العلمية

15

هيئة التدريس

212

الطلبة

0

الخريجون

البرامج الدراسية

ليسانس فلسفة
تخصص فلسفة

  تأسس قسم ( الفلسفة ) فى الجامعة الليبية ببنغازي سنة 1955م، ضمن كلية الآداب والتربية،...

التفاصيل
دراسات عليا ( ماجستير )
تخصص فلسفة

 -  تزويد الطالب برؤية نقدية لما تتناوله التيارات المذاهب والاتجاهات الفلسفية...

التفاصيل
دراسات عليا ( دكتوراه )
تخصص فلسفة

  -   تأكيد الطرح الحضاري الجديد متمثلاً في الفكر الفلسفي المعاصر .  ...

التفاصيل

من يعمل بـقسم الفلسفة

يوجد بـقسم الفلسفة أكثر من 15 عضو هيئة تدريس

staff photo

د. حليمة محمد على الوحواح

حليمة هي احد اعضاء هيئة التدريس بقسم التفسير بكلية الآداب طرابلس. تعمل السيدة حليمة بجامعة طرابلس كـمحاضر منذ 2017-09-07 ولها العديد من المنشورات العلمية في مجال تخصصها

منشورات مختارة

بعض المنشورات التي تم نشرها في قسم الفلسفة

الخطاب الفلسفي بين الغزالي وابن رشد " دراسة تحليلية مقارنة "

في نهاية هذا البحث أرى أنه من الضروري عقد مقارنة بين رأيي الغزالي وابن رشد قبل ذكر نتائج هذا البحث . أولاً: نقاط الإتفاق والإختلاف بين الغزالي وابن رشد : نقاط الإتفاق : يتفق ابن رشد والغزالي في طريقة عرض المسائل والموضوعات، فكما عرض الغزالي آراء المشائين، وفند أدلتهم للرد عليها ؛ كذلك فعل ابن رشد في كتابه حين عرض لأراء الغزالي وفندها للرد عليها أيضاً محاولاً الدفاع عن موقف سلفه من المشائين. كما يذهب الغزالي في الدليل الأول من المسألة الأولى إلى القول بجواز تراخي المفعول عن إرادة الفاعل ولا يجيز تراخيه عن فعل الفاعل المختار، نجد ابن رشد يسلم معه بالقول بذلك إذ يقول: " وتراخي المفعول عن إرادة الفاعل، جائز، وأما تراخيه عن فعل الفاعل له، فغير جائز . "(1) يتفق كل منهما في القول بأن تقدم الباري سبحانه وتعالى على العالم ليس تقدماً زمانياً، إذ لو كان القول بذلك غير صحيح لكان هناك فاصل بين الله والعالم هو الزمان وكان قبل الزمان الذي وجد فيه العالم زمان، وهكذا تتسلسل إلى مالا نهاية له وهذا محال . لذا ذهب الغزالي إلى القول بأن: (( . . . الزمان حادث ومخلوق وليس قبله زمان أصلاً، ومعنى قولنا: إن الله متقدم على العالم والزمان، أنه سبحانه كان ولا عالم ثم كان ومعه عالم، ومفهوم قولنا: كان ولم يكن معه عالم، وجود ذات الباري وعدم ذات العالم فقط ؛ ومفهوم قولنا: كان ومعه عالم، وجود الذاتين فقط فنعني بالتقدم انفراده بالوجود فقط ؛ والعالم كشخص واحد، ولو قلنا: كان الله ولا عيسى مثلاً ثم كان وعيسى معه، لم يتضمن اللفظ إلا وجود ذات وعدم وجود ذات، ثم وجود ذاتين، وليس من ضرورة ذلك تقدير شيء ثالث. ))(2) . ويقول ابن رشد: (( . . . فتقدم أحـد الموجودين على الآخر أعنى الـذي ليس يلحقه الزمان ؛ ليس تقدماً زمانياً، ولا تقدم العلة على المعلول اللذين هما من طبيعة الموجود المتحرك، مثل تقدم الشخص على ظله، ولذلك كل من شبه تقدم الموجود غير المتحرك على المتحرك بتقدم الموجودين المتحركين أحدهما على الثاني فقد أخطأ، وذلك أن كل موجودين من هذا الجنس، هو الذي إذا اعتبر أحدهما بالثاني، صدق عليه أنه: إما أن يكونا معاً، وإما أن يكون متقدماً عليه بالزمان، أو متأخراً عنه، والذي سلك هذا المسلك من الفلاسفة هم المتأخرون من أهل الإسلام ؛ لقلة تحصيلهم لمذهب القدماء. ))(1) -يسلم ابن رشد بما ذهب إليه الغزالي من أن الأمر الثالث الذي يتصوره الفلاسفة ( الزمان ) ما هو إلا من عمل الوهم وليس له وجود بذاته ولا له وجود خارج النفس، فالزمان: (( نسبة لازمة بالقياس إلينا . . . ))(2) إذ هو شيء يفعله الذهن في الحركة، والحركة لا يمكن إبطالها، والزمان كذلك ولا يمتنع وجود الزمان إلا مع الموجودات التي لا تقبل الحركة، وأما تقدير وجود الموجودات المتحركة فلا ينفك عنها الزمان ضرورة وهذا ما أوضحه ابن رشد بقوله: (( إن الموجود نوعان: أحدهما من طبيعته الحركة والآخر ليس من طبيعته الحركة . . . ))(3) . يتفق الفيلسوفان في القول بأن تعدد الأنواع والأجناس يوجب التعدد في العلم وأن عقلنا الإنساني يستمد علمه من الموجودات الجزئية لأنه (( عقل منفعل ومعلول ))(4)، أما علم الله فهو (( فعل محض وعلة ؛ فلا يقاس علمه على العلم الإنساني ))(5) . وفي المسألة الثالثة يتفق كل منهما في القول أن النفس لا تفنى بفناء الجسد وإنما تبقى بعد الموت، كما دلت عليه الدلائل العقلية والشرعية وإنه لا بد من الإيمان بعودة النفوس إلى أمثال أبدانها لا عين أبدانها وهذا ما عبر عنه الغزالي بقولـه: (( . . . لأنه مهما انعدلت الحياة، فاستئناف خلقها، إيجاد لمثل ما كان، لا لعين مـا كان، بل العود المفهوم، هو الذي يفرض فيه بقاء شيء، وتجدد شيء، كما يقال فلان عاد إلى الإنعام أي أن المنعم باق، وترك الإنعام، ثم عاد إليه، أي عاد إلى ما هو الأول بالجنس، ولكنه غيره بالعدد، فيكون عوداً بالحقيقة إلى مثله، لا إليه، ويقال: فلان عاد إلى البلد، أي بقي موجوداً خارج البلد، وقد كان له كونٌ في البلد، فعاد إلى مثل ذلك. . . ))(1)، وأيده فيه ابن رشد بقوله: (( وأن يضع أن التي تعود هي أمثال هذه الأجسام التي كانت في هذه الدار لا هي بعينها، لأن المعدوم لا يعود بالشخص، وإنما يعود الموجود لمثل ما عدم، لا لعين ما عدم . . . ولذلك لا يصح القول بالإعادة، على مذهب من اعتقد من المتكلمين أن النفس عرض، وأن الأجسام التي تعاد هي التي تعدم، وذلك أن ما عدم ثم وجد، فإنه وجد بالنوع، لا واحد بالعدد، بل اثنان بالعدد . . . ))(2) نقاط الاختلاف : الاختلاف في النشأة، حيث يوجد اختلاف كبير بين الفيلسوفين وظروف عصريهما : - فبينما كانت حياة الأول منذ بدايتها حياة فقر وزهد، وسعى لطلب العلم في مختلف المجالات وفي أي مكان، كانت حياة الثاني حياة هدوء وسكينة، فقد نشأ في بيت جاه، وكان طلبه للعلم ميسراً، فلم يحتج إلى السفر إلى أي مكان لتحصيل العلم ؛ بل درس الفقه والطب والفلسفة في قرطبة مسقط رأسه . الإختلاف في الفكر : بينما اتجه فكر الغزالي إلى التصوف والدفاع عن الدين والعقيدة الإسلامية الصحيحة، اتجه فكر ابن رشد إلى الفلسفة مدافعاً عنها وعن فلاسفتها المشائين . الإختلاف في المسائل الثلاث : يرى الغزالي ليس استحالة تأخر المعلول عن علته في الموجَب والموجِب الضروري الذاتي فحسب بل في العرفي والوضعي أيضاً، وقد مثل لذلك بمسألة الطلاق(1)، بينما نجد ابن رشد يرى أن الأمر في الوضعيات ليس كالأمر في العقليات إذ (( لا نسبة للمعقول، من المطبوع في ذلك المفهوم إلى الموضوع المصطلح عليه ))(2) . وفي حين يرى الغزالي أن كل ما هو مدرك بمعرفة أولية يجب أن يعترف به جميع الناس، يرى ابن رشد أنه ليس من شرط المعروف بنفسه أن يعترف به جميع الناس لأنه ليس أكثر من كونه مشهوراً، ولا يلزم فيما كان مشهوراً أن يكون معروفاً بنفسه . بينما يذهب الغزالي إلى القول بنسبية حركة الأفلاك، وتقسيمها إلى شفعية ووترية، يرى ابن رشد أن هذا لا ينطبق إلا على الأمور المحدثة ذات البداية والنهاية ولا يصح البتة إطلاقه على ما لا نهاية له لأن المحدث وحده يخضع للتجزئة والتقسيم كما أنه لا يسعنا أن نفترض وجود اللحظة الأولى التي تحرك فيها العالم، وبما أن الزمان هو مقياس الحركة، والحركة الأزلية ناشئة عن العالم، فإن العالم الذي صدرت عنه الحركة أزلي أيضاً . يرى الغزالي، بأن أخد أحد الشيئين المتماتلثين هو تمييز الشيء عن مثله(3)، نجد ابن رشد يرى أن أخذ أحد الشيئين المتماتلثين ليس تمييز الشيء عن مثله، (( وإنما هو إقامة المثل بدل مثله، فأي منهما أخذه بلغ مراده، وتم له غرضه، فإرادته إنما تعلقت بتمييز أخذ إحداهما عن الترك المطلق، لابأخذ أحدهما وتمييزه عن ترك الآخـر . ))(4)هـ-بينما يتفق – الغزالى وابن رشد – فى القول بأن تقدم البارى سبحانه وتعالى على العالم ليس تقدماً زمانياً، نجدهما يختلفان فى نوع التقدم ففي حين يقول الأول: بأن تقدم الأول على التانى تقدم بالذات. يقول الثـانى: بنوع آخر من التقدم دون أن يحدد هذا النوع من التقدم إذ يقول: (( فإذن تقدم أحد الموجودين على الآخر هو تقدم الوجود الذى هو ليس بمتغير ولا فى زمان على الوجود المتغير الذى فى الزمان، وهو نوع آخر من التقدم . ))(1) في الدليل الثالث بينما يسلم الغزالي - من أجل إثبات حدوث العالم - بأن العالم قبل وجوده كان له إمكانات غير متناهية بالعدد إذ يقول: (( العالم لم يزل ممكن الحدوث، فلا جرم ما من وقت إلا ويتصور إحداثه فيه . . . ))(2)، ومعنى ذلك هو أن يكون قبل هذا العلم عالم وقبل العالم الثاني عالم ثالث وغير ذلك إلى غير نهاية له، نجد ابن رشد يبطل ذلك، فيرى أنه من المحـال أن يكون قبل هذا العالم عالم آخر وهكذا إلى غير نهـاية له، لأن ذلك (( يلزم أن تكون طبيعة هذا العالم طبيعة الشخص الواحد الذي في هذا العالم الكائن الفاسد، فيكون صدوره عن المبدأ الأول بالنحو الذي صدر عنه الشخص، وذلك بتوسط متحرك أزلي و حركة أزلية، فيكون هذا العالم جزءاً من عالم آخر، كالحال في الأشخاص الكائنة الفاسدة في هذا العالم، فبالإضطرار إما أن ينتهي الأمر إلى عالم أزلي بالشخص، أو يتسلسل، وإذا وجب قطع التسلسل، فقطعه بهذا العالم أولى، أعني بإنزاله واحداً بالعدد أزلياً ))(3) . بينما يرى الغزالي في الدليل الرابع أن الإمكان والإمتناع والوجوب (( قضايا عقلية لا تحتاج إلى موجود حتى تجعل وصفاً له . . . ))(1)، إذ لو احتاج الإمكان إلى وجود شيء لاحتاج الإمتناع إلى وجود شيء يضاف إليه، وكذلك نفوس الآدميين المجردة، وكذلك السواد والبياض، نجد ابن رشد يؤيد رأي الفلاسفة ويقول بقولهم : إن الإمكـان يستدعي شيئاً يقوم به هو المحل القـابل للشيء الممكن، وهذا بين عنده لأن المعقولات الصادقة لابد أن تستدعي أمراً موجوداً خارج النفس . فعند قولنا بأن ذلك الشيء ممكناً يقتضي شيئاً يوجد فيه هذا الإمكان، وأن الممتنع كالممكن أيضاً لابد له من موضوع وهذا بين أيضاً عنده لأن الممتنع والممكن متقابلان، والأضداد المتقابلة لابد لها من شيء، وبما أن الإمكان يستدعي موضوعاً، فإن الإمتناع الذي هو سلب الإمكان يستدعي موضوعاً أيضاً، ويضرب مثلاً لذلك فيقول (( فإن وجود الأبعاد المفارقة ممتنع خارج الأجسام الطبيعية أو داخلها ونقول: إن الضدان ممتنع وجودهما في موضوع واحد، ونقول: إنه ممتنع أن يوجد الإثنان في واحد . . . ))(1) يختلف كل منهما عن الآخر في أمر الإمكان هل هو أمر ذهني أم له وجود خارج النفس، فبينما يذهب الغزالي إلى القول أن الإمكان أو أن الأمر الكلي أمر ذهني لا وجود له في الخارج، يذهب ابن رشد إلى القول أن الإمكان له وجود في الخارج لأنه نابع عن جزئيات موجودة خارج النفس(2) . بينما يرى الغزالي أن العلم شيء والمعلوم شيء آخر، فالمعلوم يطلق على الشيء الموجود، ويطلق العلم على إدراك هذا الشيء، بحيث لو فقد العلم أو لم يدرك الشيء لم يفقد المعلوم، يرى ابن رشد أن العلم والمعلوم شيء واحد . أما فيما يتعلق بمسألة الجزئيات، يرى الغزالي أن تعدد الأنواع والأجناس تقتضي تعدداً في العلم كما تقتضيه الأشخاص المتعددة(3)، في حين يقول ابن رشد: أن علم الأنواع والأجناس الثابتة ثابت أيضاً ولا يوجب تغيراً، أما فيما يختص بقيـاس علم الأشخاص بعلم الأنواع فيقول الغزالي بأن العلم في كليهما علم واحد بينما يرى الخصم ابن رشد أنه قياس لا طائل تحته لأن هذين العلمين مختلفين والإشتراك اسمى وبمعنى التعدد، وفـي هذا يقول: (( . . . إنمـا يجتمعان: أعني الكلية والجزئية في ثانياً: النتائج : بعد هذه الرحلة الطويلة من الإطلاع والقراءة تبدى للباحثة حقائق ونتائج منها: إن كل خطاب فكري لا ينشأ طفرة بل لابد له من مرتكز ومستند فكري وسياسي واجتماعي يمكّنه منأن ينحو المنحى الذي يطبعه ويميزه . على الرغم من موقف الغزالي الشديد من الفلسفة والفلاسفة إلا أنه لا يخفى أنه لم يسع إلى هدم الفلسفة كمنهج من مناهج العقل، أو أنه حارب الفلسفة من حيث هي علم تفسير بل إنه حارب التيار الهيليني الوثني المجافي لروح الإسلام، وأكبر دليل على ذلك هو تأليفه في الفلسفة كتابيه المشهورين " مقاصد الفلاسفة، و تهافت الفلاسفة "، وعلى الرغم من أنه كان يقصد بكتابيه الرد على الفلاسفة، وبيان تهافتهم إلا أن النقد والرد عليهم يعتبران فلسفة في حد ذاتها، وذلك أنه استخدم نفس الآلة التي استخدموها وهى العقل . من خلال اطلاعنا على كتاب تهافت الفلاسفة نستطيع أن نتبين الآتي : إن هدف كتاب تهافت الفلاسفة هو إظهار العقل بمظهر العاجز عن اقتناص الحقائق الإلهية، ولهذا، يحاول الغزالي فيه أن ينتزع ثقة الناس من العقل كمصدر تتعرف منه المسائل الإلهية ولكن الغزالي إذ يحاول، تقييد سلطة العقل يتخذ من العقل نفسه مطية للوصول إلى هذه الغاية . فإذن عمله هذا هو محاولة عقلية لإثباث قصور العقل في ميدان الإلهيات، وشهادة بأن العقل حدّاً يجب الوقوف عنده. إن الغزالي في سلوكه مع الفلاسفة لم ينحرف بآرائهم عن وضعها الصحيح، بل إنه قد أظفى عليها إشراقاً وصفاء . عرضه لأدلة الفلاسفة في صورة دقيقة وواضحة . إن ابن رشد حين دافع عن موقف الفلاسفة إنما اختار لنفسه جانباً خاصاً يمكن أن نجمله في الآتي : -قبوله ما رآه صحيحاً من الأدلة التي تقدم بها الغزالي في كتابه ذاكراً أنها أدلة الفلاسفة لمذهبهم ورفض مالا يراه صحيحاً منها . الرد على ما وجهه الغزالي من اعتراضات على تلك الأدلة . التقدم بأدلة أخرى لتأييد رأي الفلاسفة . إن كتاب تهافت التهافت ليس مخصصاً للبرهنة بل لرد هجوم الغزالي، وبيان أن أكثر ما جاء به لا يرتفع إلى مرتبة اليقين والبرهان، بل كلها معارضات سفسطائية مشوشة كما يقول . كتب ابن رشد كتابه تهافت التهافت للرد على كتاب الغزالي السابق الإشارة إليه، وعلى كل من هاجموا الفلاسفة والفلسفة وأكد منذ البداية على أن من واجب الجميع أن يحترموا الفلسفة ويقدروا الفلاسفة، حتى إذا ما اختلفنا معهم أو حتى إذا أخطأوا، فالواجب فيما يرى ابن رشد أن لا ننكر فضلهم في النظر العقلي، فلو لم يكن لهم إلا صناعة المنطق لكان واجباً علينا وعلى جميع من عرف هذه الصناعة أن يشكرهم عليها وأن يستفيد منها . أما فيما يتعلق بالمسائل التي أخذها الغزالي على الفلاسفة فقد رد عليها ابن رشد مسألة بعد أخرى، مؤكداً أنه من الضروري فيما يتعلق بفكرة الألوهية أن نخاطب الناس على قدر عقولهم وأن نميز بين تصويرين متميزين، أحدهما للعامة والآخر للخاصة، الأول خطابي والآخر برهاني، وقد عاب على المدارس الكلامية أنهم بلبلوا أذهان العامة وعقدوا الأمور على الجماهير، كما عاب على الغزالي أنه كشف في تهافته عن أمور كان الأولى أن تقتصر على الخاصة وألا يشغل بها العامة. إن اسم الكتاب (تهافت التهافت) لا يحمل في طياته مجرد الدلالة على الكتاب فقط بل على موضوع الكتاب، والبواعث التي دفعته لتأليفه، ففيه يقلب الحقائق على مختلف وجهاتها، فيكشف عن مقاصد الفلاسفة حيناً، ويستجلي ضلالتهم في فهم أرسطو حيناً آخر، ويرفع عنهم تهمة الكفر التي ألحقها بهم الغزالي في مسائل ثلاث خالفوا فيها أصول الدين، مبيناً بعد ذلك موقفه من كل منها . إن الذي يطلع على كتاب تهافت التهافت يمكنه أن يتبين في رد ابي الوليد ثلاثة أقسام: استصواب كلام خصمه في أحدها، وخطأه في القسم الثاني مؤيداً الفلاسفة، والثالث بين فيه مواضع خطأ الغزالي في أنه نسب إليهم ما لم يقولوه، فنقض ما نسب إليهم فأصاب وأخطأ في النسبة . إن أسماء الكتابين دليل واضح على طبيعة الخطاب بينهما، والذي يزداد وضوحاً عند عملية المقابلة بين دفتي هذين الكتابين وهي عملية مقابلة الرأي بالرأي، والدليل بالدليل . إن كلا الكتابين يكمل كل منهما الآخر و يؤلفان كلاً لا يتجزأ، فإذا ذكر أحدهما ذكر الآخر، ولا تعرف قيمة تهافت التهافت إلا بمعرفة تهافت الفلاسفة . إن التراث العربي لا يخلو من أمثال هذين الكتابين، فهاهو (خواجه زاده) المتوفي سنة (893هـ) ألف كتاباً سماه (تهافت الفلاسفة) أيضاً، وقد ألفه بإشارة من السلطان محمد الفاتح العثماني، وهو كتاب جاء للتحكيم بين الغزالي وابن رشد، فيما اختلفا فيه من مسائل . إن الغزالي وابن رشد يكادان يتفقان نوعاً ما في الأسلوب والطريقة في عرض مسائل الكتاب، فطريقة ابن رشد طريقة جدلية كطريقة الغزالي إلا أنها أدق منها من حيث تفنيدها بنقد نص بعينه، والدليل على ذلك أن الغزالي إذا عرض إحد نظريات الفلاسفة ذكر أدلتهم كما فهمها ثم أورد اعتراضه عليها وفندها وأتى بأحكام مناقضة لها، أما ابن رشد إذا ذكر نصاً للغزالي يكتفي بذكر أول ذلك النص وآخره خوفاً من الإطالة ثم أوجزه وأوضحه وفنده وخطأ قائله، كما تميزت طريقته بتحليله المسائل تحليلاً منطقياً جلياً مثبثاً تعريف الألفاظ وتطبيقاتها على ما هو متنازع عليه، أو ما ساده غموض بين الطرفين المتخاصمين . ذا كانت مسألة قدم العالم وحدوثه تحتل مركزاً ممتازاً في تاريخ الفكر الفلسفي عامة والفلسفة الإسلامية خاصة، فإن مسألة العلم الإلهي ومسألة حشر الأجساد لاتقل أهمية عنها، إذ يعد البحث في هاتين المسألتين على جانب كبير من الأهمية ودليل ذلك هو أن دراسة هذين الموضوعين قد شغلا متكلمي وفلاسفة العرب زماناً طويلاً وأن البحث فيهما يعد من البحوث العويصة في حد ذاته، ودليل هذا أننا نجد المتكلمين والفلاسفة قد خصصوا مبحثاً محدداً لدراسة هذين الموضوعين في مؤلفاتهم، بالإضافة إلى تضارب الآراء حولهما تضارباً شديداً، وذهاب كل فرقة مذهباً معيناً يختلف في كثير أو في قليل عن بقية الآراء والمذاهب الأخرى . لم يستطع ابن رشد أن يهدم اعتراضات الغزالي على الفلاسفة في مسألة قدم العالم كما كان يتوقع ذلك، وذلك لأن القول بالحدوث أقرب إلى العقل والنقل منه بالقول بالقدم خاصة بعد أن أثبته العلم في العصر الحديث . ظهرا الإمام الغزالي وابن رشد مقدرة فائقة في التحليل والنقاش وتقصي الحقائق من خلال كتابيهما المشهورين في جميع المسائل وخاصة في مسألة قدم العالم وحدوثه، الأمر الذي يشهد له كثير من المفكرين في القديم والحديث بأنهما أهل لأن يحتلا مكاناً مرموقاً في تاريخ الفكر الفلسفي على وجه العموم . إن المحاورات الفكرية بين الفلاسفة من جهة وبين الفقهاء والمتكلمين من جهة أخرى، وبين كل واحد من هؤلاء أو أولئك إنما تمثل ظاهرة فكرية صحيحة برهنت على حيوية المسلمين وإعمالهم للعقل وللإجتهاد في كل شيء، وقد كان ذلك الصدام الشهير بين الغزالي وبين الفلاسفة السابقين عليه من جهة، وبين الغزالي وابن رشد من جهة أخرى أكثر دلالة على أن الخلاف والإجتهاد في الرأي لم يكن يفسد للود قضية بين مفكري العالم الإسلامي، وذلك كان تعبيراً حياً على مدى وعي المفكرين المسلمين وفهمهم العميق لدينهم ودنياهم في آن واحد. هذا هو جهدي المتواضع في تناول هذا الموضوع الشائك، فإن وفقت فمن الله، وإن كانت الأخرى فمن نفسي، وعذري أني حاولت .
عائشة يوسف الدوكالي عرعارة(2007)
Publisher's website

العولمة وآثارها الثقافية والسياسية على الوطن العربي

مع مطلع العقد الأخير من القرن العشرين حدثت مجموعة من المتغيرات الدولية والإقليـمية ألقت بظلالها على جميع أوجه الحياة، وساهمت تلك المتغيرات في مجملها في ظهور نظام عالمي تحتل فيه مجموعة قليلة من الدول مقعد القيادة، وتمارس مختلف أشكال السيطرة والهيمنة والوصاية على العالم فى ظل ما اصطلح على تسميته بالعولمة، فقد ألقت العولمة بتداعياتها على جميع أوجه الحياة، وبدأت آثارها تظهر فى مختلف بلدان العالم والبلدان العربية بوجه خاص، بعد أن دخلت كثير من الدول دائرة الغرب واهتماماته بشكل واضح، وفتحت آفاقاً للترابط مع النظام الجديد، على نحو يصعب الفكاك منه واختلفت الآراء حول العولمة فهناك من يرى ضرورة سرعة الاندماج وخاصة الدول النامية في النظام العالمي الجديد، حتى يتسنى لهذه الدول الاستفادة من التطورات التكنولوجية و زيادة حجم التجارة والاستثمار الدوليين، وذهب فريق آخر إلى أنه من الخطر على الدول الأقل نمواً الاندماج في النظام الجديد . وأياً كانت الآراء فإن العولمة طرحت العديد من التساؤلات حول من المستفيد من النظام العالمي الجديد ؟ وهل هناك خيارأمام الدول العربية خاصة باعتبارها من الدول الأقل نمواً في الاندماج في هذا النظام ؟ فهناك مجموعة من المتغيرات المصاحبة للعولمة ، التي أخذت تشكل تحديات تفرض نفسها على الساحة العربية، وتستلزم ضرورة العمل على تعظيم الإيجابيات على قدر الإمكان وتقليل السلبيات التي يمكن أن تلقي بظلالها على واقع السياسة والثقافة العربية، فهذه الدراسة تناقش آثار العولمة وتحدياتها على مستقبل الأمة العربية، وكيفية مواجهتها في مختلف المجالات الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، والثقافية، وهي تحديات متداخلة يصعب فهمها بشكل منفصل. إن العولمة المعاصرة تعني الخضوع لمجموعة من القواعد والمعايير الدولية التي تنظم مجالات كانت تدخل في صميم سيادة كل دولة: من حقوق الإنسان في المجال الـسيـاسـي، إلـى اقـتصـاد الـسـوق بـمـا يتـضمنـه من إزالة القيود على انتقال رأس المال ، والسلع، والخدمات ، والعمالة، وحقـوق الـملكية الفكرية في المجال الاقتصادي، وانتقال الأفكار والمعلومات في المجال الثقافي، حيث تهدف عولمة الثقافة إلى صهر الثقافات المحلية في بوتقة واحدة، قد تضيع معها الخصوصيات الثقافية، ومن ثم فإن عولمة الثقافة تشكل خطراً كبيراً على الثقافات المحلية، حيث تصبح تلك الثقافات أكثر عرضة للغزو الثقافي في ظل التطور غير المتكافئ الذى طرأ على وسائل الإعلام مما يؤدي إلى زيادة المستهلكين لمنتجات الثقافة الغربية، ففـي ظل العولمة بدأت تظهر مخاطر الاختراق الثقافي، وتهـديـد الخصوصية والتبعية الثقافية للدول الأقل نمواً حيث تتجلى تداعيات العولمة الثقافية في التوجه لصياغة ثقافة عالمية من خلال تعميم النمودج الغربي الأمريكي، وبذلك يصبح الحفاظ على الهوية الثقافية والخصوصية الحضارية أحد التحديات التي تواجه الأمة العربية. ومما لاشك فيه أن الثورة المعلوماتية تركت بصماتها على دور الدولة الـذي بدأ يضعف فـي مجتمع عصر التدفق الحر للمعلومات عبر تقنيـات الاتصال الحديثة ولم يعد بالإمكان التحدث اليوم عن السيادة الإعلامية ضمن الحدود السياسية للدولة، وعن التحكم بعملية تدفق المعلومات داخل تلك الحدود، وبالتالي الانفراد بتشكيل عقول مواطني الدول بما يضمن الولاء التام للدولة، خاصة وإن تأثير ثورة المعلومات قد شمل سلباً الدولة بكل مكوناتها من حدود سياسية معترف بها، وشعب وحكومة، وأصبحت السيطرة على عملية تدفق المعلومات شبه مستحيلة بعد أن تحولت المعلومـات إلـى عناصر ملموسة، وغير مرئية، يسهل تنقلها واختراقها لأية حدود جغرافية، فقد تقلص البعد الجغرافي، وزال الفاصل الزمني، وأصبحت تقنيات الاتصال الحديثة تقفز من فوق الحواجز وتخرقها. وتكمن اشكالية هذه الدراسة في أن هناك انبهاراً بحضارة الغرب والرغبة في التشبه بها دون اقتراح آليات ومشاريع علمية و عقلية لتحقيق ذلك ، فالحاجة ماسة اليوم إلى ممارسة النقد الحر، والسعي إلى بناء كل ما هو مثمر وجديد. إن هذا العصر هو الذي يحدد ما تكون عليه أمة من الأمم من ناحية القوة والضعف ومدى تجاوبها السلبي أو الإيجابي مع معطيات العصر وتقلباته، وعلى مدى جدية الموقف العربي في التفاعل مع العولمة لأخذ مكانة متقدمة بين الأمم، بحيث نسهم في بلورة رأي بشأن الظروف الموضوعية للنشاط الفكري الثقافي المعاصر لنرى مدى اقترابه أو ابتعاده عن الطموح في التقدم العربي. مما تقدم فإن العولمة، تشير إلى متغيرات حقيقية ذات أهمية أساسية، ولهذه المتغيرات آثار عميـقة فـي السياسة كما في الاقتصاد والثقافة والنشاطات الأخرى، فالعولمة فيها من الفرص بقدر ما فيها من المخاطر، والقدرة على اغتنام الفرص وتجنب المخاطر تعتمد إلى حد كبير على القدرة على التعامل مع الظواهر الجديدة القادمة مع العولمة، فيجب التحرك بسرعة المتغيرات نفسهـا، ليـكـون لـنـا رأي ودور فـي هذه المتغيرات. ونـظـراً لأهـميـة الـمـوضـوع وخـطـورتـه عـلـى الـوطـن الـعـربـي، وفـي ضـوء الـتـحديـات والـمستجـدات الـتي يـشهـدهـا الـعـالـم، وانـقسـام رؤى الـمـفـكـرين والـمثـقفـين حـولـهـا، جـاءت هـذه الـدراسـة مـحـاولـة لـتحليل بعض الآثار المترتبة على العولمة، من خلال آراء المفكرين والمثقفين، وذوي الاهتمام بهذا الموضوع ، وقد تناولت الباحثة التأثيرات المتعددة للعولمة، وكان التركيز على أربع محاور أساسية: المحور الأول: يدورحول العولمة من ناحية تحديد المفهوم والنشأة التاريخية، وأثر المتغيرات الدولية المعاصرة، لاستيضاح طبيعتها وتحديد موقعها، فمن الصعب الحديث عن العولمة بمعزل عن تطور الرأسمالية العالمية والمتغيرات الدولية المعاصرة في ظل ثورة المعلومات. المحور الثاني: يتعلق بالثقافة العربية والخصوصية والهوية، وما يحدث الآن من تشويه للثقافات على مستوى العالم، ولما للإعلام من دور في نشر وتسويق الثقافة الأمريكية والثقافة الغربية التي تتصادم مع المحلي القائم، فما يحدث الآن هو صراع بين الوافد والمحلي، مما يهدد بالاستبعاد والتشويه للثقافات المحلية الخاصة، فقد تم التركيز في هذا الجانب على أثر الثقافة الغربية على الثقافة العربية الإسلامية في ظل عصر المعلومات. المحور الثالث: يتعلق هذا المحور بالجوانب السياسية، حيث إن تطورات الأوضاع العالمية في العقد الأخير من القرن العشرين قد كرست مفهوم الأحادية القطبية، وتشكيل النظام الواحد المهيمن، مما يدعونا إلى التساؤل عن وضع الدولة وموقعها في هذا النظام الأحادي، فالدولة بدأت تنهار وتضعف أمام قوى الشركات العملاقة التي تسعى إلى إسقاط حق الدولة في التدخل بالشؤون الداخلية والخارجية، من خلال فتح الأسواق، وسيطرة المنظمات العالمية على أمور السياسة واستبعاد الدبلوماسية، فعصر العولمة هو عصر تسقط فيه الحدود وتفتح فيه الأسواق، وهو عصر الشعارات كحقوق الإنسان والديمقراطية التي تأتي جاهزة من الخارج، وتسيس بها الدول حسب مصالحها، بالإضافة إلى حق التدخل وحق تقرير المصير التي هي مجرد شعارات فارغة . المحور الرابع: يتعلق بالهيمنة الاقتصادية وتبعاتها السياسية والثقافية على الوطن العربي، وهوجانب أتعرض فيه لنقد ظاهرة العولمة، فالهدف اقتصادي وهو بالتالي يؤثر في السياسة والثقافة والتبعية للغرب المسيطر. وفي ظل ذلك وانطلاقاً من أن الأحداث الدولية التي يشهدها العالم اليوم، أصبحت تؤثر في الحياة العربية، فقد عرضت للتحديات التي تواجه الثقافة والسياسة العربية أمام التحول العميق الذي أحدثته ثورة الاتصالات، وذلك من خلال عرض وتحليل عدد من الدراسات والبحوث المهمة المتعلقة بالدراسة ومن أهم النتائج التي توصلت إليها الباحثة ما يلي: العولمة ظاهرة تستهدف تحطيم الحدود الجغرافية والجمركية وتسهيل نقل الرأسمالية عبر العالم كله كسوق عالمية، مما يعني انفتاح الحدود الاقتصادية والتشريعات التي تسمح للنشاطات الاقتصادية الرأسمالية بتوسيع حقل عملها ليشمل العالم كله، فالعولمة هي حقبة التحول الرأسمالي العميق للإنسانية جمعاء في ظل هيمنة الدول الصناعية الكبرى وبقيادتها وتحت سيطرتها، وفي ظل سيادة نظام عالمي للتبادل غير المتكافئ، العولمة بذلك هي العملية التي عن طريقها تصبح الأسواق والإنتاج في الدول المختلفة معتمدة كل منهما على الأخرى بشكل متزايد بسبب ديناميات التجارة في السلع والخدمات وتدفق رأس المال والتكنولوجيا، وهي ليست ظاهرة جديدة، ولكنها استمرارية للتطورات التي تتابعت لفترة طويلة من الزمن. فقد مرت العولمة بعدة مراحل منذ بداية الكشوف الجغرافية، أهمها: مرحلة تطور الرأسمالية التجارية، ثم الرأسمالية الصناعية، وبعدها الرأسمالية المالية، تليها رأسمالية بعد الصناعة أو الثورة التكنولوجية، وهي التي بدأت تترسخ أكثر فأكثر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وتميزت هذه المرحلة بتطور في مجال البحث العلمي التطبيقي في التنمية الاقتصادية، ففي هذه المرحلة المتقدمة من تطور الرأسمالية تندرج العولمة باعتبارها مظاهر اقتصادية اجتماعية وسياسية لإنجازات علمية وتكنولوجية مثلت ثورة المعلومات وتكنولوجيا الاتصال روحها وعمودها الفقري، ولا تمثل الموجة قفزة نوعية في تطور وسائل الإنتاج فقط بل أيضاً مرحلة جديدة في مراحل الرأسمالية. فهنـاك ربـط بين تطورالـعلم والـعولمة، ولكن التقدم العلمي وسيلة وليس سبب العولمة، فالربط بين التقدم العلمي والعولمة يستهدف تحرير العولمة على أنها نتاج التقدم العلمي مثل أي إنجاز آخر، ويتجاهل بأن التقدم الـعلـمـي يجري في خدمة الرأسمال، والتقدم العلمي إنجاز كل البشرية في تاريخها الطويل لسعادة الإنسان وليس لـخـدمـة الـرأسمـال. كانت الثقافة العربية في تاريخها الطويل ثقافة حوار وتعاون وكانت بحكم موقعها الجغرافي منطقة لقاء الثقافات وامتزاجها، وكانت بحكم طبيعة العرب المنفتحة أخذاً وعطاءً ثقافة تعاون وتفاهم بين الشعوب، ومع التطور الفائق السرعة الذي حققته التقنية في مجال الاتصال بين الأمم والشعوب أصبح الحوار والتعاون لزاماً، يضاف إلى ذلك أن الثقافة تنمو وتزدهر كقيمة في الحضارة الإنسانية بقدر تفاعلها مع الثقافات الأخرى، وبما تقدمه لتفاهم الشعوب وتعاونها من إسهام في إغناء الحضارة. فقد أصبح عبور المجتمعات المعاصرة إلى الحداثة العالمية ضرورة حتمية، لا فرق في ذلك بين مجتمعات متقدمة ومجتمعات نامية ، قد يبدو عبء العبور بكل تكاليفه الاقتصادية والثقافية أسهل بالنسبة للمجتمعات المتقدمة التي خاضت اختبارات الحداثة منذ قرون، إذا ما قورنت بالمجتمعات النامية، فمعركة المجتمعات النامية تتطلب السعي لمحاولة العبور إلى العالمية في عصر العولمة، بكل ما تفرضه من شروط سياسية وقيود اقتصادية، فالنقل عن الحداثة الغربية يفتح الطريق أمام التبعية الثقافية ويكرسها ، فالانبهار بالعقل الغربي ومنجازاته، واحتقار العقل العربي ومنجازاته تقع في قلب الشرخ الثقافي الذي يعيشه الإنسان العربي اليوم. إن مراكز المعلومات وتكنولوجيا الاتصال هي التي تمتلك اليوم مفاتيح الثقافة، ولذلك نجحت الولايات المتحدة الأمريكية في نشر ثقافتها عبر القارات والترويج لأفكارها وقيمها الثقافية والأخلاقية والاجتماعية والسياسية، على حساب اكتساح الثقافات الوطنية واتباعها ضمن الحلقة الثقافية الأمريكية إن الحوار بين الثقافات لا يكون منتجاً إذا انغلقت الثقافات، فالبحث عن الهوية الثقافية لا يعني العزلة فكوننا جزءاً من هذا العالم الجديد وإدراكنا لحقيقة العولمة، تؤكد حاجتنا إلى تعزيز خصوصيتنا في مواجهة أخطار التبعية وإلغاء الهوية القومية، فلوسائل الاتصال الدور الأكبر في حماية الثقافة ونقلها وتغيرها أيضاً، كما أن للأفراد خصوصيتهم و كل شعب من شعوب العالم له ذاته القومية، ومن حق شعوب العالم أن يتم التعبير عنها وعن هويتها الثقافية ، حيث صارت وسائل الاتصال تهدد الهوية الثقافية في كثير من المجتمعات، فالدول الأكثر قدرة على امتلاك وسائل الاتصال، هي الدول الأكثر هيمنة ثقافية، وهي بالتالي تقوم بتصدير ثقافتها وتعمل على فرضها بطرق واضحة أو خفية، مما يدعو إلى نظام إعلامي جديد، والمقصود من هذا النظام الذي يدعو إليه الكثيرون مواجهة المواقف السلبية الناتجة عن أساليب الترويج والإعلانات التجارية، وتلافي العواقب الناتجة عن بعض الجوانب من هذا النوع من الإعلام، التي تنال القيم الثقافية والاخلاقية في مختلف المجتمعات. بدأت عملية احتكار المعلومات مع بداية الثورة الصناعية حيث كان الحرص على عدم انتقال التكنولوجيا من بلد لآخر، وفي وقتنا الحاضر أصبحت المعلومات عنصراً أساسياً لا غنى عنه في أي نشاط، فهي المادة الخام للبحوث العلمية، وهي الأساس والمحك الرئيس لاتخاذ القرارات الصحيحة في الوقت المناسب، ومن يملك المعلومات الصحيحة في الوقت المناسب يكون قد ملك عناصر القوة والسيطرة، إن توافر المعلومات يساعد على نقل خبراته إلى الآخرين واستيفائها من الآخرين ليستعين بها على إدارة شؤونه وتطوير وسائل إنتاجه وتمكنه من القدرة على القيام بإنتاجية مبتكرة ومتجددة ، فالوضع السيئ لاقتصاديات معظم البلدان النامية وتخلفها في مجالات أخرى كثيرة نابع من تخلفها في مجال المعلومات وتكنولوجيا الاتصالات، وإن التحفظ وسوء الإدارة يعود جزء كبير منه إلى افتقاد هذه البلدان إلى عنصر المعلومات. ويرجع تأخر الدول النامية ومنها الدول العربية إلى افتقارها للحصول على المعلومات التي أصبحت سلعة خاضعة لقانون العرض والطلب الأمر الذي يتيح للشركات الكبرى التابعة للدول المتقدمة احتكارها وبالتالي تعمل على حجب المعلومات الهامة عن الدول النامية التي تحرص على بقائها مستوردة لمنتجاتها المصنعة والتي مصدرها الأساس هذه الدول النامية، إن لتكنولوجيا المعلومات عواقب سيئة ونتائج أخذت ملامحها تظهر وتزداد وضوحاً يوماً بعد يوم، فالتدفق الحر للمعلومات الذي تدعمه القوة الاقتصادية قد أدى إلى موقف عالمي أصبح فيه الاستقلال الثقافي لكثير من الدول يخضع للإنتاج الإعلامي وللمفاهيم التي تبثها قلة من الدول الكبرى التي تتحكم في اقتصادها اعتبارات السوق، والاتهام القائم هو أن مضمون البرامج الإعلامية قد استخدمت أداة هامة لتحقيق الاستراتيجيات الثقافية للدول الرأسمالية، بهدف مد نفوذ أنظمتها. أصبحت شبكة الإنترنت بما توفره من ثروة في المعلومات منبراً للتفاعل بين المستفيدين، فإمكانية الاشتراك في شبكة الإنترنت أصبحت سهلة للغاية، فالإنترنت لها من الإيجابيات بقدر ما لها من السلبيات، ففي إطار ربط العالم عبر الإنترنت في عالم القرية العالمية الصغيرة فإن الفرص أمام النخب العالمية للاتصال والتفاعل الإنساني سوف تزداد، وبالنظر الشامل إلى التطورات الهائلة في مجال الاتصالات سيقوم عصر الوسائط المعلوماتية بتغيرات أساسية منها دخول الحواسيب البيوت في أشكال متنوعة، فقد أصبح المنزل بؤرة اهتمام الشركات المصنعة للحوسبة والاتصالات، وكل هذه الإنجازات والمخترعات المتجددة والمتغيرة بسرعة تؤكد أن ثورة الاتصالات هي روح عصر العولمة وعمودها الفقري، ولا يمكن إدراك أبعاد هذه الثورة إلا بإدراجها في إطار أشمل هو الثورة التكنولوجية والعلمية بشكل عام. تختلط الأمور السياسية بالأمور الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فهي مرتبطة ارتباطاً وثيقاً، وهي بالتالي تصب في الاتجاه نفسه ، فالعولمة السياسية هي انتهاء الحدود بين الدول بحيث تثأثر كل دولة بما يجري حولها من الدول، ولعل أهم سمة من السمات السياسية هو ترسيخ النظام العالمي الجديد، فالعولمة السياسية تعني نشر مفاهيم الديمقراطية الليبرالية وتعميمها وما يصاحب ذلك من رفض وإنهاء للشمولية في الحكم، وتبني التعددية السياسية والالتزام باحترام حقوق الإنسان، وكذلك استخدام الأمم المتحدة لحماية حقوق الإنسان في العالم، والحماية الدولية للأقليات، والتدخل الدولي الإنساني، وغيرها من آليات النظام العالمي الجديد. فقد أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية إمبراطورية بلا حدود، وذلك لما تملكه من قوى عابرة للقارات، سواء من النواحي العسكرية أو الاقتصادية أو السياسية أو الثقافية يساعدها كل ذلك قدرة اتصالية فائقة، ففي ضوء المستجدات والمتغيرات الدولية العالمية وجدت الإمبريالية الاستغلالية الأمريكية فرصتها في التمدد والهيمنة على كثير من مناطق العالم عموماً وعلى منطقتنا العربية خصوصاً متذرعة بأحدث الذرائع الزائفة تحت عنوان مقاومة الإرهاب، وجوهره مقاومة كل إمكانية أو حركـة تستهدف استنهاض عوامل القوة والتحرر الديمقراطي القومي، بمثل ما تستهدف تكريس تبعية شعوب هذه الأمة وتخلفها من جهة، وإعادة هيكلتها وتكييفها بما يضمن إلحاقها بصورة شبة مطلقة لسياستها في المنطقة بما يتوافق مع مستجدات المصالح الأمريكية الراهنة إن الشعارات الليبرالية التي تتعلق بتقديس مبدأ حرية السوق، باعتباره الحل لكل مشكلات الإنسانية، تحتاج إلى وقفة نقدية، فلا يكفي رفع شعارات الحرية السياسية والقناعة بسياسة اجتماعية تقوم على التأمينات أو برامج الدعم للطبقات الفقيرة، ذلك أنه حين تزداد الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وحين تستولي القلة على الجزء الأكبر من الدخل القومي، فإن المخاطر جسيمة على النظام السياسي ذاته، لأن الجماهير التي تتدهور أحوالها الاقتصادية لن تستكين إلى أوضاعها المتردية، ومن ثم فالاستقرار السياسي وهو ضرورة أساسية لأي نمو أو تنمية يمكن أن تقضي عليه تحركات الجماهير المحبطة. ففي المجال السياسي تتجسد نظرية حقوق الإنسان في شكل الديمقراطية التي يريد الغرب فرضها في كل مكان، ولا يوجد من ينازع في أن الديمقراطية شكل متطور من أشكال الحكم، إلا أن الديمقراطية كما نعرفها اليوم هي صناعة أمريكية، ولدت في مجتمع غربي نتيجة لتطورات طويلة في التاريخ الغربي، إن حقوق الإنسان والديمقراطية نظريات واعدة لا تخلو من مزايا، ولكنها تحتاج إلى عنصر أساسي وهو الاحترام المتبادل، فلكي تنجح العولمة لا بد أن تحترم الشعوب بعضها بعضاً وينتفي مطلب البقاء للأقوى. إن الـدولـة الـمعـاصرة غير قـادرة بمفـردهـا علـى السيطرة على بعض الظواهر مثل الشركات العالمية، والأقمار الاصطناعية والمشاكل العالمية، والأسواق المالية العالمية، حيث إن هذه الظواهر لا يمكن حصرها ضمن فضاء إقليمي يمكن أن تمارس الدولة عليه سلطة حصرية، كما أن التقدم المذهل في تقنيات الاتصالات أدى إلى تدفق الأفكار والمعلومات بين المجتمعات بعيداً عن سيطرة الدولة، مما قلل من سلطتها على اللغة والتعليم والثقافة، إن سلطة الدولة في الحفاظ على قيم المجتمع وتقاليده وأعرافه، والتعبير عنها على النحو الذي يؤكد وجود هوية حضارية متميزة تعمق انتماء المواطن لدولته في مواجهة الآخر، غير أن وظيفة الدولة الثقافية قد تآكلت بفعل تسارع آليات الاتصالات الدولية بفعل العولمة، وأصبح المواطن عرضة لأشكال متنوعة من قيم وتقاليد وأعراف أجنبية عنه. وكل هذا من شأنه تطويع الطابع القومي لشعوب العالم النامي لمقتضيات العولمة وللآليات التي تفرضها قوى السوق، بشكل يخلق نماذج استهلاكية مشوهه، ويفرز قيماً تتعارض مع ثقافة المجتمع، فالتحدي الرئيس أمام العرب اليوم هو كيفية تغير أو ما الذي ينبغي فعله حتى تغيرموقعها من العولمة، وبالتالي تغير دورها فيه من مجرد تابع إلى عنصر فعّال. إن المعركة الحقيقية لا تكمن في مواجهة العولمة كعملية تاريخية، وإنما ينبغي أن تكون ضد نسق القيم السائد الذي هو إعادة لنظام الهيمنة القديم، وهنا ينبغي تحديد طبيعة المعركة في النضال للقضاء على ازدواجية المعايير في تطبيق حقوق الإنسان، وعدم فرض نموذج النظرية الغربية كنموذج أوحد للديمقراطية، وإتاحة الفرصة للشعوب لكي تمارس حقها السياسي، فهناك ضرورة لتقنين حق التدخل، حتى لا يشهر كسلاح ضد الشعب العربي، كـمـا أن قـضية حل الصراعات بأسلوب سلمي، وتحقيق السلام العالمي، وإعادة النظر في مفهوم التنمية على المستوى العالمي، كل هذه الميادين تحتاج إلى نضالات متواصلة لضمان صياغة نسق قيمي عالمي يحترم حرية الشعوب، ويسهم في تقدمها في ظل حضارة إنسانية جديرة بالتحقق، إن الفجوة في المعرفة تتسع بيننا نحن العرب وبين الدول المتقدمة، فنحن ما زلنا في مجال استهلاك المعرفة ولم نعبر بعد إلى مجال المعرفة، ومن ثم لا بد من سياسات فعّالة لضمان الاستهلاك المنتج للمعلومات المتاحة، حتى يكون ذلك مجرد خطوة تجاه الإسهام في إنتاج المعرفة المعاصرة، إن صناعة المستقبل لا يمكن أن تكون حكراً على الدول المتقدمة، بل لا بد من أن نساهم في صنعها من خلال عملية نشيطة وفعّالة لحوار الحضارات نقدم فيها صورة إيجابية وخلاقة لحضارتنا . إن هيمنة العولمة على النظام الاقتصادي الدولي وقلق كثير من الدول النامية ومنها الدول العربية، من عدم تعبئة مجتمعاتها التعبئة الشاملة والحقيقية لمواجهة الاحتياجات المستقبلية ، يؤكد أن تطبيق مبادئ التنمية المستدامة هو الطريقة الصحيحة والأكثر فاعلية ؛ لأن الاهتمام برأس المال البشري وزيادة قدرته على التكيف مع التطورات التكنولوجية العملاقة من أهم عوامل الاستفادة من العولمة بدلاً من التخوف من سلبياتها، فليس هناك من بديل أمام الدول العربية في أن تكاملها في الاقتصاد العالمي في المدى الطويل، ونجاحها في تحقيق ذلك يتوقف على قاعدة من الموارد البشرية القادرة على التنافس، حيث تُعَدّ المعرفة عنصراً جوهرياً من عناصر الإنتاج ومحدداً أساسياً للإنتاجية، فقد أصبح تمايز الاقتصاديات يرتكز على مستوى التقدم العلمي والتكنولوجي، كذلك يجب الاهتمام بزيادة الإنفاق على البحث والتطوير العلمي، إذ لا سبيـل للأمة العربية في البقاء والحفاظ على قيمها وثراثها وهويتها العربية والإسلامية إلا بالعلم . إن الأمة العربية بكل أقطارها وتفرعاتها المصطنعة تشكل اتفاقاً خصائصياً من حيث القيم والتقاليد والتاريخ والدين واللغة، أي إنها تمثل نموذجاً فريداً يجعل من السهل عليها واليسير أن تقيم سياسة ثقافية إعلامية تقيم بعض الحواجز ضد الاختراقات الاستغلالية الغربية، التي تستهدف كيان الأمة وخصائصها القيمية والثقافية، ومحاولة طمس الهوية والذاكرة التاريخية للأمة العربية، وتحصنها ولو جزئياً من أنماط وسلـوكيات الحياة الغربية والأمريكية التي أصبحت جوهر العولمة ، إن العولمة الأمريكية تسعى جاهدة ودون أي تهاون إلى اختراق الأمة العربية مستخدمة كل الوسائل: إعلامية وثقافية وسياسية، وعلينا التسليم أن العولمة تؤدي إلى وجود رابحين كما تؤدي إلى وجود خاسرين، وغير مستفيدين منها، فلا بد من اتخاذ الإجراءات والاحتياطات التي تخفف من حدة اللامساواة الحاصلة من العولمة. إن حماية ثقافتنا رهينة بمدى رغبتنا نحن في العمل على انعاشها والاستفادة من معطيات العولمة والتفاعل معها أخذاً وعطاءً، لا رفضاً وسلباً، فالوصول إلى رسم سياسة عربية تربوية وثقافية موحدة في إطار رؤية عربية للتنمية الشاملة أصبح اليوم أمراًً حتمياً، سياسة تجمع بين القيم الأصيلة في حضارتنا العريقة والقيم الإنسانية الكبرى في الحضارة البشرية كالحرية والمساواة بين البشر وتوفير المناخات الملائمة للنهوض بالإنسان.
أسماء أحمد الحميدي(2008)
Publisher's website

نظرية العقد الإجتماعي وشرعية الدولة عند توماس هوبز " دراسة وصفية تحليلية نقدية "

بما أن الإنسان إجتماعي بطبعه أو ميالاً إلى الإجتماع فلا يمكنه أن يعيش في هذه الحياة منفرداً أو منعزلاً عن بني جنسه فهو في حاجة إلى العيش في جماعات منذ ولادته، قال تعالى: ﴿ يَأَيُهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقنَاكُم مِن ذَكَرٍ وَأنثَى وَجَعَلنَاكُم شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكرَمَكُم عِندَ اللهِ أَتقَاكُم إِنَّ اللهَ عَلِيمُ خَبِيرٌ ﴾ (1)، فمن العسير بالنسبة لإى إنسان أن يعيش بمعزل عن الأخرين لأنه في هذه الحالة لن يستطيع توفير معظم إحتياجاته الضرورية . فحياة الأفراد عبارة عن تعاون وتبادل مصالح قال تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى البِرِ وَالتَّقوَى وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثمِ وَالعُدوَانِ وإتَّقُواْ اللهَ إِنَ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ ﴾(2) . وكل ذلك لا يمكن أن يحدث إلا بقيام الدولة التي توفر للأفراد الأمن والآمان، وهذا ما أدى بالمفكرين السياسيين إلى صوغ العديد من النظريات التى فى إطارها ظهرت نظرية العقد الإجتماعي عند هوبز. لهذه النظرية صدىً كبير في تاريخ الفكر السياسي بسبب آرائها وأفكارها السياسية والأخلاقية التي أراد بها أن تجعل حياة الأفراد منظمة وآمنة . وقد قسم هوبز الحياة البشرية إلى مرحلتين: المرحلة الأولى هي المرحلة الطبيعية التي كان الأفراد يعيشون فيها في فوضى تامة حيث صور فيها الإنسان بأنه كائن أناني بطبعه لا يسعى إلا لإشباع رغباته وشهواته ، وكل فرد له الحق في كل شي، ليس هناك ظالم ولا مظلوم بل هي حرب الكل ضد الكل. أما الرحلة الثانية فهي المرحلة المدنية والتي لا تأتي إلا بعد إتفاق يقوم به الأفراد فيما بينهم للخروج من الحالة الطبيعية ويختارون فيه شخصاً معيناً أو مجموعة أشخاص يكونون السلطة الحاكمة التي ليست طرفاً في ذلك الإتفاق ومهمتها تنظيم حياتهم وضمان الأمن والإستقرار لهم وفي المقابل يتنازلون هم عن كافة الحقوق والممتلكات الخاصة بهم، وهذا ما يطلق عليه هوبز العقد الإجتماعي الذي عن طريقه تتكون الدولة. ونتيجة لذلك الإتفاق تبرز مجموعة من القوانين الطبيعية التي تنظم سلوك الأفراد في الحالة المدنية و تحافظ على حياتهم وتحقق السلام المنشود. ورغم أن هذه القوانين برزت نتيجة للتعاقد إلا أنها في رأي هوبز كانت موجودة داخل الأفراد في الحالة الطبيعية ، فكل فرد بداخله رغبة في السلام ونتيجة لإستعماله لعقله تمكن من تحقيق ذلك. إن الأفكار المتعلقة بتكوين الدولة ودور الأفراد داخل هذه الدولة التي قدمها هوبز لعبت دوراً مهما في تاريخ الفكر السياسي الغربي وذلك لإنسجام هذه الأراء التعاقدية مع الأنظمة الملكية السائدة انذاك. بل أن ما جاء به هوبز من أفكار وتصورات تعد تبرير واضح للنظام الملكي الإنكليزي في ذلك الوقت. والأكثر من ذلك فإن بعضا من هذه الأفكار ظهرت متناقضة مع غيرها. ومن أبرز التناقضات التي وقع فيها هوبز هي إصراراه على أن الإنسان كان يعيش في حالة الطبيعة والتي وصفها بأنها حياة بائسة وذليلة لكثرة الصراعات والحروب الموجودة فيها بين الأفراد، كما وصف الإنسان بأنه أناني بطبعه دون الإستناد إلى أي دليل واضح، وحتى يخرج الأفراد من هذه الحياة فلابد لهم من اللجوء إلى التعاقد فيما بينهم على إختيار من يحكمهم، ويضرب بيد من حديد حتى يوفر لهم الأمن والآمان، شرط أن يتنازلوا له عن كافة حقوقهم وممتلكاتهم الطبيعية. وهنا تبرز لهم عدة أسئلة يمكن طرحها ضد هذه الفرضية المتشائمة ، فكيف لأي إنسان أن يعيش في أمن وآمان وقد تخلى عن أبسط حقوقه؟ وكيف له أن يكون إنسان حر داخل الدولة وهو مجرد من كافة حقوقه الطبيعية؟ وكيف لهوبز أن يقول بأن الحق الطبيعي للإنسان هو أن يستخدم كافة قدراته كما يشاء وكيفما يشاء وفي الوقت الذي يشاء وأن يحافظ على حياته ويشبع رغباته وقد تنازل عن حقوقه وممتلكاته؟ فكيف للإنسان أن يحافظ على حريته وقد تنازل لغيره؟ فما الفرق إذاً بين الحياة الطبيعية التي وصفها هوبز بأنها سبب تعاسة البشرية وبين هذه الحياة المدنية التي هي عبارة عن حاكم هو السيد وبين الرعية وهم العبيد المجردين من الحرية والملكية. بدلك لن يكون هناك أي إختلاف بين هؤلاء الأفراد وبين بقية الكائنات الحيوانية التي لا تستطيع التعبير عن حريتها وإرادتها الإنسانية. أما التناقض الآخر الذي وقع فيه هوبز هو تأكيده بأنه ليس من المهم أن تكون السلطة في يد شخص واحد أو في يد مجموعة من الأفراد. إذا فرضنا أن السلطة التعاقدية يمثلها مجموعة من الأفراد فإن السؤال الذي يمكن أن يطرح هو ما الذي يضمن عدم إختلاف تلك المجموعة في الرأي فيما بينها مما يؤدي إلى محاولة كل واحد منهم إلى فرض رأيه على الرعية ولو بالقوة رغما عن بقية تلك المجموعة ، وخاصة أن مبدأ المنفعة الذاتية متأصل في الطبيعة البشرية وفعال حتى في المرحلة المدنية ولو بطريقة غير مباشرة . إن هذا حتماً سوف يؤدي إلى قيام حرب لا هوادة فيها بينهم فتكثر الحروب والصراعات ويعود الحال على ما كان عليه في حالة الطبيعة. وكل هذه التناقضات جعلت نظرية هوبز بدلا من أن تكون نظرية تضمن الحرية وتحقق السعادة للأفراد داخل الدولة أصبحت نظرية تؤدي إلى الإضطهاد والإستعباد ومصادرة الحريات الأمر الذي يقود إلى قيام أنظمة الحكم الدكتاتورية المطلقة. أيضاً بالنسبة للتعاقد نفسه فلا يمكن لعدد كبير جداً من الأفراد أن يتفقوا على رأى واحد بل من الطبيعي أن يكون هناك عدد معين خارج عن هذا الاتفاق، وإذا أهمل رأي هذه الأقلية سيدخلون في هذا التعاقد رغما عنهم ودون رضاهم بالتالي سيجبرون على التنازل عن حقوقهم. كل هذه التناقضات تحسب ضد هذه النظرية التي جاء بها هوبز وليس لها، وهذا يجعل منها نظرية سلبية لا تقوم مطلقا على أي أسس تعاقدية. وقد تم طرح عدد من الأسئلة في المقدمة تمت الإجابة عليها ضمن محتويات هذه الدراسة منها: -هل أساس العقد هو الحاجة أم الخدمة؟ج- من خلال ما سبق دراسته نجد أن أساس العقد عند هوبز هو الحاجة، أي حاجة الأفراد إلى السلام والأمن حاجتهم أيضا إلى توفير كافة الأشياء الضرورية التي لا يستطيع الفرد بمفرده توفيرها إلا إذا إنظم إلى الجماعة . هل الحكومة المالكة للقوة يمكن أن تجسد العدالة داخل الدولة؟لا يمكن لأي حكومة تعتمد على القوة في حكمها أن تجسد العدالة داخل الدولة،إذ أنها وباعتمادها على القوة في حكمها لابد وأن تكون قد إستعملت تلك القوة في إرتكاب الظلم تجاه بعض الأفراد الذين لا يطيعون أوامرها وإن كانت خاطئة. هل حققت القوانين التي وضعها هوبز للأفراد نوعاً من العدالة داخل الدولة؟يقول هوبز بأن القوانين الطبيعية هي عبارة عن قاعدة أو فكرة يستنبطها العقل لمساعدة الإنسان على الإنسجام مع غيره دون أن يخشى على حياته، وهنا نجده يربط بين القانون الطبيعي والقانون الوضعي حيث كلاهما ناتج عن عقل الإنسان الذي يسعى إلى السلام الدائم من خلال إستنباطه لهذه القوانين . إلا أنه جعل هذه القوانين دون جدوى عندما قال بأن تنازل الأفراد عن حقوقهم وممتلكاتهم يتضمن أيضا تنازلهم عن حقهم في سن القوانين والتشريعات التي تضمن لهم حماية حياتهم للحاكم المنتخب، فكيف يمكن للقوانين التي وضعها فرد واحد أن تتناسب مع متطلبات ورغبات مجموعة من الأفراد وتحقق لهم العدالة العامة، إن مثل هذه القوانين في تصوري لن تحقق إلا مزيداً من الظلم والإضطهاد لكافة أفراد المجتمع . هل فرق هوبز بين الحكومة والدولة أم جعلهما شيئاً واحداً ؟ لم يفرق هوبز بين الدولة والحكومة بل جعل زوال الحاكم يعني زوال الدولة والعودة إلى حياة الفطرة فالدولة عنده هي الحكومة متجاهلاً بذلك الطرف الأهم في الدولة وهو المجتمع. هل يجوز الثورة على الحاكم؟رفض هوبز الثورة على الحاكم ورأى بأنه لا يمكن للأفراد أن يثوروا على الحاكم طالما أنه يحقق الهدف من التعاقد وهو ضمان الحماية الكاملة لأراوحهم وتحقيق السلام، بل حتى في تلك الظروف التي ربما يسلك فيها الحاكم سلوك الإستبداد بالأفراد فلا يحق لهم الثورة عليه لأنهم تعاقدوا على منحه سلطة مطلقة وغير محدودة. إن مسائلته عن تصرفاته يعتبره هوبز نوعاً من عدم العدالة، فهم من إختار ذلك الحاكم وإرادته هي إرادتهم، وإستبداده بهم هو نوع من العدالة، وذلك لكبح جماحهم والتغلب على نزعاتهم الأنانية، فلا يمكنه ردعهم إلا باستخدامه القوة، وقد وصل هوبز إلى حد وجوب قتل أي فرد يقرر الخروج على الحاكم. وقد قدم إستثناء بسيط يعطي للأفراد الحق في الثورة على الحاكم وهو إذا فشل الحاكم في تحقيق الهدف من التعاقد وهو تحقيق الأمن والآمان، وهنا فقط يحق لهم الثورة عليه لأنه لو إستمر في تصرفاته الخارجة عن شروط التعاقد سوف يعود بالأفراد إلى الحالة الطبيعية الأولى، وحتى في هذه الحالة فإن هوبز وضع شرطاً لمشروعية الثورة على الحاكم وهو أن يتفق الأفراد بشكل جماعي على الثورة ولا يحق لأي فرد أن يقرر الثورة على الحاكم بمفرده وإلا لأصبحت فوضي. تلك إذن نظرية العقد الإجتماعي التي إعتقد هوبز بأنها تنقل الأفراد من الظروف الطبيعية القاسية " حالة حرب الكل ضد الكل " إلى المرحلة المدنية " حالة الأمن والسلام " . وبذلك يكون هوبز بتصوره هذا قد جرد الإنسان من كل الحقوق الطبيعية "الحرية، الملكية، تقرير المصير، الدفاع عن النفس " وإستبدالها بالحقوق المدنية "عضوية المجتمع المدني، السلام" مقرونة بالخضوع والإستبداد. إنها محاولة تبدو في مظهرها مكسب للإنسانية وفي باطنها تبرير ودعم للأنظمة الإستبدادية الفردية والجماعية، فالسلام الذي يجرد الإنسان من الحرية وغيرها من الحقوق الطبيعية لا قيمة له ولا يساوي شيئاً، فالدولة التي تبنى على هذا الأساس لن تكون مشروعة، حيث أنها تبنى على فرضيات خاطئة .
شريفة ساسي محمد الوريمي(2010)
Publisher's website